مدونة خاصة تعنى بالشأن الأدبي و النقدي وقضايا المجتمع.

حيّــــاكم الله  

تحيتي إليكم متصفحي مدونتي

ارتأيت التعاطي معكم من خلال هذه المساحة

متمنية  أن تكون مجالاً رحباً للتواصل البنّاء

و العطاء المثري لي و لكم  .

مودّتي

زينب عيسى الياسي

Advertisements

يهيم الوجدان إلى الصعود نحو السمو في فضاء عبقٍ رحيب ، إلى أجواء من الطهر و النقاء ، من الصفاء الصرف ، فتتغذى الروح بأنفاس التكبير ، يصـــدح بها المــؤذن بقمة و شــموخ : الله أكــبر ، فتتمتم الروح : كبّرت كبيرا ً لا كبير سواه .

فتشتعل المشاعر بشوقٍ إلى ذاك الكبير السامي ، تتطلع الأحداق إلى سماء متسامقة ، متعالية ، فيردد المؤذن التوحيد للواحد الأحد :

ـ أشهد أن لا إله إلا الله .

وحّدتك كبيراً ، و مجّدتك عظيماً ، لا عظيم إلا هو .

تتطلع نحو الشموخ اللامتناهي ، فتتوق إلى الرفيف في سماه ، إلى التمرّغ في أحضان رحمته الإلهية ، تهفو للأنس به ، و لذة الخلوة معه ، حيث الوصال بالمعشوق ، فلطالما أضناها غفلتها عنه ، و بعادها عن محضره العلي ، حتى تاهت في سرادقات جرداء ، جدباء ، فاستشعرت الخواء ، الفراغ ، اليُتم ، في أوحال مغلّــفة بغلاف التمـــدُّن ، تجرّعت العلقم ممزوجاً بألوان زاهية ، فعافته النفس ، لفظته الأعماق ، و تراءت لها روحها و هي تتهاوى ، تنحدر إلى قرار سحيق موحش .

و جاء النداء الشجي يدعوه إلى خير العمل : حيَّ على الصلاة ، حيَّ على الفلاح .

تنبَّــهت الروح ، نفضت عالمها الرديء في لحظة قرار ، أعلنت الصحوة و قررت الأوبة ، الرجوع إلى من لاإله غيره .

و يختتم سمفونيته الأبدية : لا إله إلا الله .

فتتحرك نحو المحضر المبارك ، حيث الفضيلة تنشر أجنحتها على المتفيئين ظلالها .

و لكن .. الأدران تتوشحها ، لوَّثت ظاهرها و باطنها ،  فهل لها من      عودة ؟!. هل لها من إياب إلى جنة عرضها السماوات و الأرض ؟

تتحادر قطرات الاستغفار لتغسل العةالق الدنيوية ، لتزيل أدران الروح المستشرية : إلهــــي العفــو .. العفـــو .

عبق الحجاز

يا رائحة الحجاز روّي صدري بعبقك الزاكي .. أنفحّيني شذى من وطأة أقدامهم ثراك .. فأصبحت بهم جنة … خلدا .. نعيما .. تهفو إليه القلوب

 و تشتاقه ..

أنعشي خلاياي بعبيرك السامي .. فهو عبير لمن تحنّ إليهم الأفئدة .. محمد و علي و فاطمة والحسنان .. عبير العترة الطاهرة المطهّرة .. الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا .. 

يا نسيما من أرض الحبيب هب عليّ .. تغلغل في الحنايا التائقة إلى لثم ثرى طيبة .. روّي ضلوعا  ولهى .. و فؤادا أضناه الهيام .. إلى أعتاب مدينة النور ..

يا ترب الحجاز .. هنيئا لذرات رملك المتناثر في هذه البقعة من صفحة الدنيا … هنيئا لك أن ضممت بين ربوعك نجوما و كواكبا درّية تدور حولهم أفلاك الكون .. تستشف من قبسهم الملكوتي النور والضياء ..

و يحن الفؤاد و هو يجوب بين منعطفاتك  ما بين المسجد الشريف و بين بقيع الغرقد  .. يحن إلى تلك الحقبة الدافئة من الزمن .. يحن إلى نفثات تلك الأرواح الطاهرة التي كانت تجوب أديمك الرطب .. المشرّب برائحة الطهر .. 

يحن الفؤاد إلى سماع أصوات العترة الطاهرة عبر أثير الزمن المتطاير في أجواء المدينة .. فيلتقط  بها نفحات ألسنة طالما لهجت بذكر الله .. لعلّ فيها زادا لي في سفر طويل .. موحش الطريق .. لقلة سالكيه ..  وما من معين .. فهل لي نفحة من نفحاتهم المباركة تكون لي دليلا في الدرب  ؟ ! .

حديث مساء

تملّى من ضجعته ، تراجع غمض جفنه ، أبت أعصابه الاسترخاء و السكون في رحم السبات الدنيوي ، عدّل من قامته بعد أن أشرع عيناه في ظلام الغرفة الدامس ، أضاء العتمة بسراج كان إلى جانبه ، لعل قبسا منه يضئ الوحشة المستشرية في أعماقه ، سار من منامه إلى الفناء حيث السكون مطبقا بأجنحته على الكون ، نظر حوله فتراءت له شجرة من أشجار بيته الكثيفة ، تأملـها ببصــره حتى كاد يخترقها بعينيه حتى علا ببصره نحو أطرافها فإذا به يرى السمـاء تكتسي برداء من الفحمة الداكنه

و كأنّها مرآة لعتامة حناياه .. ففتردت دخيلته بتساؤل للسمــاء :

ما الذي جعـلك بهـذه العتمـة و كأنك جرداء قاحلة من كل معاني الحيـاة ؟

فإذا به يتــلقى ردا خاله منبعثا من عمق السماء :

عتمتي تلبستها من أجلكم يا بني البشــر ، اكتسيت بها من ظلـــمة أعماقكم ، و لكــن بهــائي كامـن في رحــمي ، لا يتبــدّى لمتـعلق بالــتراب ، و لـن ترون فـيّ إلا البحــر العبــاب ، فلا يمــكنكم أن تســتجلوا حقيـقتي مع خلــودكم إلى الأرض ، فليس في جوف المــرء اثنان متناقضان  …

و هذا ما يجعلكم ترون ظلــمتي ، و لا تسـتشعرون الضياء المرسل إليكم ، فضيائي لا يــدرك كنهه أيما أحــد …

و صمتتْ … أطـبق سكــون بــارد في الأرجــاء جعلــه يتـأمل في كلـماتها و تناوش عقــله الأفكــار، تتسلل إليه فلســفة باديــة من تلك الكلمــات ، فإذا بأعمــاقه تســأل :

و كيف لنــا أن ننعــم ببهائك الأبــدي ، و لجمــيع بني البشر ؟

يجيبه الصوت من علــو السماء :

بعــد أن تــورق أشجــاركم ، و تيــنع ثمــار قلــوبكم بالحــب لكــل من لــه دبيب على وجــه الأرض ، حينمــا تتــسلق الرحـــمة إلى سطوح عقولــكم فتعــمرها بالاخضــرار و الإشـراق ، حين تتنــسم أوردتـكم نســائم الـصفاء مع جميع الكائنات فتســتعذبه لأن دفتيها استشعرته الرواء ، عوضــا عن سمــوم الحــقد و البغضــاء ، عنــدها سيشع ضيــائي ،    و يحلو في ناظــركم بهائي ، لأنه سيـعكس ضــياء أعماقكم ، و يورق الربيع في ذواتــكم ، و تثمــر السعادة في ربوعكم  …

تــأمل مليا في حديث هذا المســاء ، تزاحمت في عقلــه الأفكار ..

أيــأتي يوم نفـترش فيه المحبة بساطا ، و نتوشحها رداء في كل أرجــاء المعــمورة ؟؟

أيكــون للســعادة جناحين ترفـرف بهما على وجوه بني البشــر ؟؟

أيمكــننا أن نوؤد كل حــقد يولــد في مهــده من قلــوبنا و عــقولنا ؟؟

أو نبغــي الضيــاء أن يتســلل إلى حنايانا فتورق حبــا و ألفة و صفاء ؟

قد يكــون لنــا هــذا إن أردنــا نحن ذلك ..

و هل نحن فعلا نــريد هــذا ؟

تعد اللغة الشعرية أداة تعبيرية مهمة ، تصوّر من خلالها أسرار النفس وبواطنها ، وخباياها ، و تتحمل لغة الشعر العبء الأكبر في تجسيد رؤية الشاعر وقدرته على كشف كوامن الذات الإنسانية ، و لهذا عدّها الناقد عز الدين إسماعيل : “المفتاح الذهبي الصغير الذي يفتح كل الأبواب ، و الجناح الناعم الذي ينقلنا إلى شتى الآفاق ..”[1]، من هنا جاءت قصيدة “أضغاث أحلام ” للشاعرة الإماراتية بشرى عبدالله بن علي ، تستدعي الذاكرة و مخزون الماضي لشحن لغة شعرية تفتح مغاليق محتملة للنص .

إنّ الذاكرة تعدّ حمولة المبدع الأولى ، أيّا كان إبداعه ، فنياً ، تشكيلياً ؛ فخصب المخيلة يعتمد اعتماداّ كبيراً الذاكرة و مخزونها ؛ فهي تجعل من إنسان ما مبدعاً مرهف الحس و التعبير ؛ فالذاكرة مستودع يختزن فيه الفرد جميع الصور الاجتماعية و العرفانية و العقلية ، كما يختزن معها ترددات هذه العلاقات الاجتماعية و التجارب الحياتية و التي تمر أمام ناظره في حياته[2] ؛ فيحفظها و يختزنها إلى أن تأتي لحظة التنوير عند المبدع ؛ فتشرق مكامن الإبداع في لحظة تجلّي رائقة .

إنّ الإشراق الذهني ، و لحظة الإضاءة في عقل و وجدان المبدع ، تفرز عذب القصيد و الأشعار ، و هذا ما يتكشف من خلال قصيدة الشاعرة بشرى ، حيث الاستقاء من الذاكرة ، و الاهتداء بأدوات الطفولة ؛ فتنعش نصّها بذكريات البراءة ؛ و تنسج خيوط قصيدها :

كــنّا إذا مرّ الغرام بنا

التحفنا الريح

خبأنا المراجيح التي

شهدت ولادة حبنا[3]

فهي منذ تستهل أسطرها ، تعود بذاكرتها ، لتخبئة أدوات حبها الطفولي الوادع عن الأعين ، ترسم في نصها أدواتها الطفولية من ألحفة الدفء ، و ألعاب الأنس ، تشحذ بها الذاكرة ، كي لا تعود هذه الأشياء وهماً أو خيال .

إنّ توظيف الأشياء و الأدوات و ابتعاثها من الذاكرة ، هي أحد الوسائل التي يعتمدها الشعراء استحضاراً للماضي شيئاً فشيئاً ، و تشكّل الوعي بالنص        و بالفكرة التي يسعى المبدع لنسج خيوطها في نصه ، فنجد الشاعرة بشرى عبدالله ، تستحضر أشياء من مثل : المراجيح ، لحاف الريح ، الأشرعة ، الأصداف ، النخيل ..  و غيرها ، كل هذا من أجل لحظة الحلم ، و حتى يبقى اسماهما معاً :

أخــط فـــوق المـــاء

اســمينــا

فتمحو حــرفنا الأمــواج

نكتبها .. تعــاندنــا ..[4]

بينما تستقي الشاعرة من الطبيعة ما يتلاءم مع فكرة انثيال الذاكرة ، و مراوحة أدوات أشياء الطبيعة بألفاظ من مثل :

الأمواج ، الماء ، الريح ، الأمطار .. و غيرها ؛ فنجد هذه الألفاظ تسهم بانتعاش الذاكرة الماضوية ، لتنعش نصها و فكرتها ، فتقول :

ترتعش الحروف

فأمنح الأصداف اسمي

لم تعد لي حاجة للاسم[5]

ومن ثم تقول :

فأشكو فعلها للريح

يرتد الصدى في الماء[6]

كل هذه الأشياء و استقاءات الطبيعة ، تمنح ذاكرة الشاعرة الاخضرار ، و لكنها تعود فلا تكتفي بظواهر الأشياء بل تمنح دواخل الأشياء قيمة ؛ فبواطن الأشياء لها فعل الأشياء ؛ فالانهمار المبطّن في الريح ، و ارتعاش الوردة ، و دمع الناي ، كلها لها صوت و صدى و وهج في روحها ، فتقول :

و النخل يمنح ظاهر الأشياء أسماءً

و يسكت عن بواطنها

لأن دواخل الأشياء تسكننا[7]

إنّ بواطن الأشياء ، وما تحويه من معنى ، تستشري في أعماق الذاكرة ، فتقول :

لأن دواخل الأشياء تسكننا[8]

 

إنّ هذا النص الشعري ، استقى من الذاكرة جلّ ألفاظه و أشيائه ، كما وظّفت الشاعرة الفعل الماضي ( كنّا ، كانت ، وطأت ، خفتُ ، بلّل ) ، الذي أسهم بشكل دقيق في عملية الاسترجاع و العودة إلى رحم الذاكرة و اقتفاء آثار الذكريات ، و هذا بالتالي أسهم ببناء نص يعتمد في فكرته الأساس على الماضي ؛ فارتعاشة القلب الأولى ، كانت انبثاقة فكرة الشاعرة وتحرّكها لبناء النص ، و شحذها للماضي و أشيائه و أدواته ، و من ثم توظيفها للنهوض بنصها الشعري .

إنّ صوت الذاكرة أحيا نص الشاعرة بشكل كبير ، و إن بدت ذاكرة الشاعرة لا تحتمل سوى الومضات ، رغم سخاء اللغة التي تمتلكها ، و رقة وعذوبة الألفاظ التي وظفتها في نصّها .


[1] عز الدين إسماعيل ، الشعر العربي المعاصر ، 149.

[2] الذاكرة ، عرض وتقديم د. مصطفى غالب ، منشورات مكتبة الهلال ،بيروت، ص 5 .

[3] قصيدة  “أضغاث الكلام ” للشاعرة بشرى عبد الله ، وهي من قصائدها الجديدة التي لم تنشر بعد.

[4] المصدر السابق .

[5] قصيدة  “أضغاث الكلام ” للشاعرة بشرى عبد الله ، وهي من قصائدها الجديدة التي لم تنشر بعد..

[6] المصدر نفسه .

[7] قصيدة  “أضغاث الكلام ” للشاعرة بشرى عبد الله ، وهي من قصائدها الجديدة التي لم تنشر بعد.

[8] المصدر نفسه .

ألق

قيلت في ابني الحبيب (عبدالله) ، في لحظات ألق .

 

بُنيَّ ترفـَّقْ فإنَّ الهوى

بقلبيَ يزهو و عشقاً سَعَرْ

حُشاشة روحي فِداك الدُنـا

فداكَ الليـالي ، فداكَ السَّهرْ


بعينيك أبصرُ نور الحياة

أراها نعيماً برغم الحُـفرْ

أعانقُ فيكَ الأماني السِماق

أطاولُ منها جميل الـــدُرَرْ

أسابقُ فيك السحابَ الذي

تروح به عاتياتِ القَدَرْ

لأ بْنِيَ منكَ الجبـالَ العظام

تـُجـابِهُ للحقِ ، تـُعْلـي الفكرْ

و تـَبـْنِيَ للدينِ صرحَ النبيِّ

و آله خــيرِ هُـــداة البشـــرْ

تـُنـيرُ دروباً بعَبْقِ ِالإلـــــه

و تـُشْعِلُ نـوراً يزيلُ الكَدَرْ

عنِ الكونِ ، عمَّنْ غشاهُ الظلام

لتـُوهِجَ في الروحِ عُمقَ الأثــرْ

 

و تحييَ في الأرضِ شَرْعَ الإله

تـُقـيمُ اعوجاجاً عتا في الدهـــر

لِـتـَحملَ راية َ حـــقٍ لنــــا

معَ النورِ سَـيْدِيَ خيرِ الذِكـــرْ

بلا قـــــرار

لم أكن قد جاوزت العاشرة من عمري حين وزعت علينا أوراق تحديد المهارات ، و الهوايات التي نمارسها في المدرسة الجديدة التي انتقلت إليها ، ليتم بعدها توزيعنا في فرق نمارس هواياتنا في أوقات الفسح أو بعد انتهاء الدوام المدرسي . و قد كان من شروط الانضمام إلى هذه الفرق موافقة و لي الأمر و الشرط الآخر أن لا نتأخر في تسليم أوراق الموافقة عن نهاية الأسبوع .

       سعدت كثيرا بهذه الورقة ، طويتها بحرص و وضعتها بين طيّات الكتاب المدرسي حفاظا عليها . حال عودتي من المدرسة أخبرت والدتي – التي كانت تحضر لوجبة الغداء- بالأمر و طلبت موافقتها فلم تتردد بالقول :

–  موافقة . لكن ما الهواية التي تريد ممارستها ؟ .

انفرج فمي حيرة فأنا لم أفكر فيما أريده بالضبط ، أجبتها بعد لأي :

–  أ .. أظن أن كرة السلة تعجبني .

أجابتني أمي باستغراب :

–  أتظن أن طولك مناسب لتمارس هذه الهواية ؟

قطبت جبيني … نظرت إلى جسدي النحيل و قامتي التي أصل بها إلى كتف أمي ، احترت في نفسي ، متى يمتد هذا الجسد فيصبح كبقية الأولاد ؟

– إذا … ما رأيك في الجمباز ؟

أجابتني على عجل و هي تحمل الأطباق إلى غرفة الطعام و أنا أسير خلفها :

– أظنها لعبة للفتيات . أليس كذلك ؟

احترت في أمري .. أسرعت في خطوي ، و أنا أقضم شيئا من ظفري :

– ما رأيك بالجــــري ؟

نظرت إليّ بابتسامة عجلى :

–  قرر ما تريد ، و انضم إليه ..

و أردفت و هي تنظر إلي و ترفع إصبعها السبابة قائلة :

– بعد استشارة والدك .

توالت أيام الأسبوع  و أنا أفكر في الأمر . فأنا أخشى الانضمام إلى فرقة لا أجد المتعة فيها ، فأتمنى بعدها لو كنت في فرقة أخرى .

جاء يوم تسليم الأوراق ، و ورقتي بيضاء لم أحدد بعد ما الذي أريده .

                          *             *              *                  *

  في الصف الأول الثانوي و مع الاقتراب من نهاية العام الدراسي قدّمت إلينا أوراق لتحديد رغباتنا للعام الذي يليه ، و هل نرغب في الانضمام إلى القسم العلمي أم القسم الأدبي . يومها جلست مع أصحابي وقت العصر في ملعب الحارة  ( الفريج) بعد أن أنهينا شوطا من اللعب بادر أحمد بالقول :

–  قررت الدخول للقسم العلمي . أعتقد أنه يناسبني بما أنني أحب الرياضيات .

أمّا حسن فقد خط بإصبعه في الرمل :

– very good

و ابتسم متطلعا في وجه أحمد :

– القسم الأدبي يسهّل علي دراستي المستقبلية في كلية اللغة الأجنبية .

تطلّعت حائرا بينهما و من قرارهما السريع !

سألني أحمد :

و أنت يا هادي ماذا قررت ؟

تبسمت من كلمة قررت ، فهل العجلة توصل إلى قرار!

أجبت :

أنا أميل لدراسة الحاسب الآلي فأستطيع دخول القسم الأدبي ، و يعجبني الأحياء ، و الكيمياء فجميل أن أدخل القسم العلمي ، و تجذبني مادة التاريخ بما تحمله من أحداث و قضايا فيمكنني دخول الأدبي ….

تضاحك صاحباي من قولي و ما فتئا أن نهضا و هم يسحباني من كلتا يدي و هما يقولان :

نخشى أن لا تكون قد قررت إكمال اللعب معنا فأنت تحب الراحة الطويلة بعد شوط متعب.

توالت الأيام …. و جاء العام الذي يليه و قد رأيت نفسي قد وُضِعت في القسم الأدبي ، فقلت في نفسي ( و لكن مواد العلمي تناسب ميولي أكثر … و لكن الخير فيما وقع ) .

                   *            *              *           *              *

       في نهاية المرحلة الثانوية . قدمت إلينا أوراق تارة أخرى لتحديد رغباتنا الدراسية و الجامعات و الكليات التي نرغب في الانضمام إليها  . كانت الحيرة قد أخذت مني كل مأخذ ، و التردد ملك عليّ تفكيري ؛ فأنا أخشى إيقاع نفسي فيما لا يوافق ميولي ، و تطلعاتي . رأيت أن الجامعة بها ما أريد من تخصصات و لكن أصحابي قرروا الالتحاق بكلية كانت قريبة من منطقتنا اختصارا منهم للوقت و الجهد . تحيّرت في أمري ؛ فأنا على مفترق طرق . هل أذهب للكلية القريبة و أكون مرافقا لأصحابي ، أم ألتحق بالجامعة البعيدة نسبيا عن منطقتنا مما سيضطرني لفراق الأهل و الأصحاب و العودة فقط في نهاية الأسبوع …. و بين هذا و ذاك استمر الحال معي حتى رأيت اسمي في الجريدة اليومية و قد أدرج في قائمة المقبولين في الكلية القريبة منّا .

   من الأيام الأول أدركت الفارق بين التحاق الطالب للكلية برغبته و مدى النشاط الذي يعمر قلبه و بين ما يعتريني من رتابة مقيتة …. و في لقاء ضمني مع أحد الأصحاب بادرني :

–  أشعر أن أبواب العالم فتحت لي و أنا أخوض في غمار ما أحب و ما اخترته بنفسي .

نظرت إليه بجمود ، ابتسامة فاترة تخفي ألما خفيا على نفسي ، فقد بدأت أدرك أن القرار لابد أن يتخذ في وقته وليس بعد حين .

وقفت على عتبة الباب ، أتأمل حواشيها الناتئة ، و لون الرمل المتراكم عليها ، لون رمادي مضيفاً عتمة إلى فضاء روحي التائهة ، الحائرة ، ألبس نعالي ، أزحزح قدمي في داخله ، يتردد في قبولها ، كحالي المترددة ، أعاود خلعه و أقفل راجعة ، أنا لا أستطيع المغامرة بروحي ، المغامرة بعمري ، المغامرة بأيامي القادمة ، قد  لا تدركون مقدار الشتات الذي أعانيه ، و مقدار الضياع و القلق ، لكنني وحدي أعرف، أعرف أنني أود الخلاص من همي و حزني و آلامي ، آلامي التي تراكمت عليّ من انسياقي وراء تجاربي .

 

       لقد أعيتني كل حيلة ، أشعر أنّ الأبواب موصدة أمامي ، ليس هناك من يسمعني أو حتى يحادثني أو يحاور عقلي ، كل ما أدريه أنني فتاة لطالما قالت عني أمي :

ـ لا أعلم أنت من أية داهية قدمت لي .

كثيراً ما تشعر بالنفور مني ومن شخصي ، ترفض آرائي ، أفكاري ، آمالي ، ثوراتي ، حماقاتي ، ترفض كل ما أقوم به ، حتى سمعتها تقول لي يوماً :

ـ متى أتخلص منك .

و هل أنا بضاعة ستنتهي صلاحيتها فيجدر الخلاص منها بسرعة ، لا أدري ما الذي أقوم به كي أرضيها ، لا أدري ، قالت لي معلمتي يوماً بعدما أطلعتها على العديد من مشاكلي :

ـ إرضيها ، تكسبيها .

 

لكنني لا أستطيع أن أرضيها دائماً و على حساب نفسي  و سعادتي و تجاربي ، الفتيات من حولي يقدمن على مغامرات  و خبطات غرامية ، تمنيت لو أجرب أمثال هذه المغامرات ، لكنها تقف لي بالمرصاد ، تكاد تحسب عليّ أنفاسي ، و بشكل خاص بعد أن كشفت بين طيات أوراقي رقماً لأحدهم ، يومها قامت الدنيا و لم تقعد ، لم أنجو من أسئلتها  و استجوابها ، و أخيراً صفعاتها ، حينما صرحت لها بكل جرأة أنني أريد أن أجرّب ، صرخت بصوت عالٍ :

ـ ستفضحيننا بين الناس .

و هل الفضيحة في محادثتي لأحدهم !!

أمي لا يشل تفكيرها سوى الخشية من الفضائح أمام الناس .

يوماً ، و بعد أن طوت الأيام موضوع مغامرتي ، كنّا جلوساً نشاهد المسلسل العربي “إسأل روحك” ، و كيف كانت فتاة الحلقة تقوم بعلاقات غرامية بعيداً عن حارتها ، عندها ألقيت بكلماتي ساخرة :

ـ هكذا لن تكون هناك فضائح أمام الناس .

حدجتني بغضب :

هذا تفكير بنات الشوارع .

 

يومها تمنيت أن أكون فتاة شارع و لو من أجل التجربة ، أخرج في أي وقت ،        و أعود في أي وقت ، لا سؤال و لا جواب ، أتسكع في المراكز التجارية ، و أتنقل بين المحلات ، و أجوب في الحدائق ، و أتابع كل جديد في السينما ، أرافق من أريد ، و أسهر حتى آخر الليل في الملاهي ، تجارب أظنها جميلة ، لكنها لن ترضي أمي … و أبي كذلك ، آه من رضاهم ، قيودهم بدعوى رضاهم .

لكنني لا أدري لماذا كنت أقوم بكل ما يغضب أمي ، و حينما تيأس من انحرافي ، تخبر أبي ، يحاول أن يلاطفني ، أنا أشعر به و بحبه ، فهو ما يفتأ على مناداتي :

ـ شيخة البنات .

فيمتلئ صدري بالغرور .

يحاول أن يحادثني ، أن يملأ عليّ أوقات فراغي ، يقرص خدي بحنان ،يقول :

ـ ما دمت تعيشين الفراغ ، كان منك المروق و النزق .

اتبسّم

فعلاً ، كنت انشغل بالدورات التي يضمني إليها ، دورة حاسوب ، دورة لغة ، دورة رسم ، لكن كل هذا لم يكن يملأ وقتي … بالأحرى ، صديقاتي و اتصالاتهن الدائمة لي ، و البوح بما يُقدمن عليه من مغامرات في المراكز التجارية ، في الحدائق العامة، في شبكة الحاسوب ، يشعرني بجهلي ، و قلة تجربتي في عالم من المتطورات و العلاقات الاجتماعية ، كنّ دائما يسمينني :

ـ  صغيرونه .

و كنت دائماً أحاول أن أثبت العكس ، لكن ، لن أكون كبيرة إلاّ بخوض تجربة خاصة بي ، تقنعهن بكبري ، و هذا بالطبع ما لن يرضِ أمي ، و كذلك أبي ، و أيضاً أخوتي، و لكنه يرضيني ، أنا مقتنعة أن الحياة تجارب ، و الذي لا يجرب لا يمكنه أن يَخْبُرَ الحياة بوجهها الحقيقي .

و كانت البداية …

حصلت على رقم أحدهم من صديقتي ، قالت لي أنها تعرفت عليه من النت ، و هو شاب ظريف ، سعدت بالأمر ، جربت الاتصال ، حادثته مرة .. و أخرى ، و صار من الضروري أن أحصل على هاتف محمول خاص بي حتى أتمكن من الحديث معه، و في جلسة صفاء ، حاولت فيها أن أبدي انصياعي  و تأدبي  و طاعتي لوالدتي، طلبت الهاتف ، و أفصحت لها :

ـ أنت لا تريدين شراء هاتف لي ، لأنك لا تثقين .

أظهرت حسن نواياها :

ـ أعلم أن من في مثل سنك يحتجن الهاتف ، و لكنني أخشى عليك .

أجبتُ بأعصاب هادئة :

ـ  أنا تربيتكم .

و كأني رميت آخر شباكي حولها ، نظرت نحوي مبتسمة ، و أومأت نحوي ، أدركت أن الأمر قد تم ، و الهاتف في طريقه إليّ .

 

                     *             *                     *                 *

 

       أن تشعر فتاة في مثل سني بالفراغ ، أراه أولى خطوات السقوط ، و إذا أضفنا إليه شعور الوحدة ، فأنا فعلاً وحيدة بين إخوتي ، لا أرى جامعاً بيننا سوى اسم الأب، و جدران أربعة تحيط بنا تحت مسمى منزل ، أمّا ما عداهما فأنا وحيدة ، وحيدة في تفكيري ، و في نزقي ، و في تمردي الذي أجد ما يبرره ، فأنا أمتلك طاقة و حيوية يحار من حولي في كيفية استغلالها ، و لعلي أكون منصفة إذا قلت أنني كثيراً ما كنت أقطع عليهم الطريق لمحادثتي أو الحوار معي ، فأنا أحب الضحك ، و لا أدع مجالا للسخرية من شيء إلا و سخرت بملء فمي ، ضحكاً يرفع عقيرة إخوتي تعجباً من سبب الضحك ، لكنني أضحك على أي شيء و كل شيء حتى على الهواء المتطاير ، هذا الأمر جعل من حولي إمّا أن ينفر مني أو يغضب علي ، حتى بتُّ أشعر بالوحدة تمسك بخناقها حول عنقي ، لذا قررت أن أجد لي سلوىً ، فلم أجد أفضل من الهاتف .

 

       كان مسلياً أن أعيش مشاعر الحب  و الغرام ، و ما أجمل أن أضحك و أمزح ، و في طيّات هذا المزاح ، بدأت تتكشف أسراري  و هويتي  و عنواني  و أهلي       و صوري ، حتى كان هذا اليوم الذي أغراني بالذهاب للقائه ، و أخذني بمنطقي :

ـ  سنمر معاً بتجربة جديدة ، من حقنا أن نعيشها .

 

وافقته ، من حقي أن أعيش تجربة اللقاء ، و اللقاء فقط .

 

أهلي لطالما قيدوني بإملاءاتهم ، بأوامرهم ، بقوانينهم ، لم أجرب قوانيني             و إملاءاتي ، سأجرب رغماً عنهم ، و ليكن ما يكون .

    

أخبرت والدتي برغبتي في الذهاب إلى المكتبة العامة للقيام ببعض التقارير التي تتطلبها دروسي ، وافقتني فرحة ، مسكينة هي ، أَحَسَّتْ أنني عدت مجتهدة ، أهتم بدروسي ، قالت :

ـ سأوصلك بنفسي !!

 

هيّأتُ نفسي ، ارتديت أجمل ثيابي ، نثرت رذاذ عطري المفضل من حولي ، أخرجت عباءتي و (شيلتي) غطاء رأسي ، نظرت إلى المرآة ، يا لجمالي ، أعتقد أني سأفتنه … في الزاوية اليمنى من المرآة ، رأيتها ، صورتي و عائلتي ، و أنا أتوسط الجميع ، آخر العنقود ، فستاني الزهري ، و عمري الذي لم يتعد العام ،       و أحضان أمي تحويني ، نظرة أخي (سعود) لم تكن متوجهة إلى عدسة اللاقطة (الكاميرا) بل كان ينظر نحوي سعيداً ، و (رشود) يمدّ إليّ يده و ضحكة يكتمها بين شفاهه ، و ابتسامة والداي تكاد تقفز من أحداقهما .

ـ ما أجمل براءتي ، الجميع يحبني ، يدللني ، يلاعبني ، يلبي أوامري ، الجميع يطلب رضاي و سعادتي ، فهل حقاً أنا سعيدة الآن .

 

خطوت نحو عتبة الباب ، ذكريات زاخرة كانت لي مع هذه العتبة ، كثيراً ما جلست عليها أنتظر إخوتي و هم عائدون بحافلة المدرسة ، يتلقفوني بين أيديهم ، يشيرون علي ، يخبرون أصدقاءهم : هذه ( شويخ )

أجلس عليها أنتظر أبي عائداً في نهاية النهار من يوم عمل شاق ، و ما إن يراني حتى ترتسم الفرحة على ثغره .

 

أزلت الرمال المتراكمة على العتبة ، جلست عليها ، أشعر باختناق أوردتي من الاغتراب ، كأني ريشة تكاد تطايرها الأهواء ، سأفقد أماني و دفئي ، سأفقد هذه الجدران و الأبواب التي منحتني الأمان طوال عمري ، سأخرج منها لأكون عرضة لكل رياح الدنيا ، هل يمكنني تحملها ؟ . هل يمكنني مواجهة الدنيا  و دون أهلي ؟. 

 

 بكيت كما لم أبك من قبل ، الفراغ ينهشني ، الوحدة تكاد تفتك بي ، و خيال تجربة أراها ضبابية تتجسد أمام ناظري ، أنا أدرك مسبقاً نتائجها .. آه .. عيناي تنضح بوجع فؤادي ، أريد أن أشعر بالراحة ، بالحب …

 

أسندت رأسي على الباب ، و صورة أبي ، أمي ، إخوتي ، تتراءى أمام عيني  ، هل أحتمل حرمانكم ؟؟ .. حبكم ؟  هل أحرمكم الفرح الذي طالما منحتكم إياه .. آه .. لن أطفئ سعادة إخوتي بي ، و هم يتراكضون نحوي ، يخبرون أصحابهم بي ، كنت أرى فخرهم بأنهم يمتلكوني ..

 

عدت أدراجي إلى داخل بيتي ، أُنْسي ، سكني ، و أنا على يقين أنني أستطيع أن أفرض سعادتي و أجعلها تحلق بي و بوجودي بين أفراد أسرتي ، و من دون تجارب، نعم من دون تجارب ، أستطيع أن أرسم الفرح على شفاههم كما رسمته      و أنا صغيرة .

 

معرض الوسوم